محمد أبو زهرة

1613

زهرة التفاسير

إلى أن ذلك من رحمته التي وسعت كل شئ ، ولقد سبقت رحمته عذابه ، وإن الله تعالى ليفرح بتوبة العبد أكثر من فرح العبد بإقلاعه عن ذنبه . إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ التوبة هي الرجوع إلى الله تعالى وإلى أوامر دينه بعد الانحراف عنها ، ويعرف الأصفهاني التوبة في الشرع بأنها ترك الذنب لقبحه والندم على ما فرط منه ، والعزيمة على ترك المعاودة ، وتدارك ما يمكنه تداركه من الأعمال بالإعادة ، والتوبة على هذا النحو أعلى درجات الاعتذار ، وذلك أن الاعتذار على أنواع ثلاثة ، أحدها : وهو أدناها إنكار الوقوع ، وهذا لا يتأتى بالنسبة للعلام الخبير الذي لا تخفى عليه خافية في السماء ولا في الأرض ، وثانيها : تبرير الفعل ، وذلك أيضا لا يمكن أن يكون أمام الله تعالى ، وثالثها : وهو أعلاها الاعتراف بالوقوع وبأنه لا مبرر له ، وأنه يرجو الصفح والغفران ، وأنه مقلع عما ارتكب ، وذلك هو التوبة . والتوبة إذا كانت قريبة من وقوع الذنب فقد وعدنا الله تعالى ، ووعده الصدق الحق ، بأن الله تعالى يقبلها . وتفضل الله سبحانه وتعالى تأكيدا للوعد ، وحثا على التوبة ، فعبر سبحانه بأن الغفران حق عليه ، ولذا عبر سبحانه بلفظ « على » فقال : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ أي أن قبول التوبة حق على الله تعالى ، وذلك أبلغ درجات الصفح والغفران ، سبحانك إنك التواب الرحيم ، غفار للذنوب . وعبر سبحانه وتعالى ب « إنما » الدالة على الحصر ، أي لا يكون قبول التوبة حقا على الله تعالى إلا بتحقق شروط ثلاثة : أولها : أن يكون ذنبه ليس كثيرا ولم يحط بنفسه وقلبه ، ولذلك قال تعالى : يَعْمَلُونَ السُّوءَ أي يقع منهم ما يسئ من غير أن تركس نفسه في السيئات وتحيط بها . وثانيها : أن يكون الفعل بِجَهالَةٍ أي أنه وقع في حال غفوة الضمير والضعف النفسي ، ومن غير إدراك للعواقب ، ولا قصد للنتائج ، وقد قال السلف : إن كل ذنب على هذا النحو يكون